ابن عربي

348

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

بان لك محل المرأة من الموجودات ، وقد نبه اللّه على ما خصها به من القوة في قوله في حق عائشة وحفصة « وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ » أي تتعاونا عليه « فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ » أي ناصره « وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ » هذا كله في مقاومة امرأتين ، وما ذكر إلا الأقوياء الذين لهم الشدة والقوة ، فلو نظر الإنسان وتأمل العظمة التي جعل اللّه نفسه في مقابلتها وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ، وذلك في حق امرأتين من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لعلم الإنسان لمن استندتا ومن يقويهما ، وما أظن أن أحدا من خلق اللّه استند إلى ما استند هاتان المرأتان ، وقد عرفت عائشة وحفصة ، ولو علم الناس علم ما كانتا عليه لعرفوا معنى الآية ، ولولا ما ذكر اللّه نفسه في النصرة ما استطاعت الملائكة والمؤمنون مقاومتهما ، فإنه لا يعلم قدر النساء إلا من علم وفهم عن اللّه ما قاله في حق زوجتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عندما تعاونتا عليه وخرجتا عليه ، وجعل في مقابلة هاتين المرأتين في التعاون عليه من يعاون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهما وينصره ، وهو اللّه وجبريل وصالح المؤمنين ثم الملائكة بعد ذلك ، وليس ذلك إلا لاختلاف السبب الذي لأجله يقع التعاون ، فثمّ أمر لا يمكن إزالته إلا باللّه لا بمخلوق ، ولذلك أمرنا أن نستعين باللّه في أشياء ، وبالصبر في أشياء ، وبالصلاة في أشياء ، فثمّ أمر وإن كان بيد اللّه ، فإن اللّه قد أعطى جبريل اقتدارا على دفع ذلك الأمر ، فأعان محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في دفعه إن تعاونتا عليه ، وإن رجعتا عنه وأعطيتا الحق من نفوسهما سكت عنهما ، وكذلك صالح المؤمنين كان عندهما أمر نسبته في الإزالة بصالحي المؤمنين أقرب من نسبته إلى غيرهم ، فيكون صالح المؤمنين معينا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصالح المؤمنين يفعل بالهمة وهو أقوى الفعل ، ثم الملائكة بعد ذلك ، إذ لم يبق إلا ما يناسب عموم الملائكة التي خلقت مسخرة ، يدفع بها ما لا يندفع في الترتيب الإلهي إلا بالملائكة ، مع انفراد الحق بالأمر كله في ذلك والقيام به ، ولكن للجواز العقلي أخبر الحق بالواقع لو وقع كيف كان يقع ، فما يقع إلا كما قاله ، وما قال إلا ما علم أنه يقع بهذه الصورة ، فأنزل الحق الملائكة بعد ذكر نفسه وجبريل وصالح المؤمنين منزلة المعينين ، فإن الظهير هو المعين ، ولا قوة إلا باللّه ، فدل أن نظر الاسم القوي إلى الملائكة أقوى في وجود القوة فيهم من غيرهم ، فإنه منه أوجدهم ، فمن يستعان عليه فهو فيما يستعان فيه أقوى مما يستعان به ، فكل ملك خلقه اللّه من أنفاس النساء هو أقوى الملائكة ، فإنه من النفس الأقوى ، فتوجه الاسم الإلهي القوي